

يُعتبر الاستقرار الأمني والسياسي من أهم المؤشرات الاستراتيجية التي تحكم حركة رؤوس الأموال المحلية والدولية، وتحدد مدى قدرة الدول على جذب الاستثمارات أو تنفيرها. فالبلدان التي تعاني من اضطرابات أمنية، مثل العمليات الإرهابية، أو نشاط الميليشيات المسلحة، أو الجريمة المنظمة، أو عدم الاستقرار السياسي المتمثل في الانقلابات والتغيرات المتكررة للأنظمة الحاكمة، تشهد عادةً ظاهرة هروب رؤوس الأموال وفشلاً مستمراً في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وتجسد المقولة الشهيرة "رأس المال جبان" واقعاً عملياً ملموساً تعيشه الأسواق التي تواجه اضطرابات داخلية، سواء كانت سياسية أو أمنية.
وقد شهدت جمهورية مصر العربية موجات متباينة من عدم الاستقرار بدءاً من عام 2011 وحتى السنوات الأولى المؤدية إلى عام 2019، شملت اضطرابات أمنية في أجزاء مختلفة من البلاد، لا سيما في شبه جزيرة سيناء، إلى جانب تغييرات متعددة في القيادة السياسية؛ بدءاً بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، مروراً بالمجلس العسكري، ثم حكومة الإخوان المسلمين، والإدارة الانتقالية للمستشار عدلي منصور، وصولاً إلى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، والتي شهدت الدولة تحت قيادته تحسناً ملحوظاً ومستداماً في مؤشرات الاستقرار الأمني والسياسي.
وكان من أبرز ثمار هذا الاستقرار قدرة الدولة المصرية على إدارة وتجاوز الأزمات العالمية والإقليمية الكبرى بنجاح، بما في ذلك جائحة كوفيد-19، الحرب الروسية الأوكرانية،
وحرب غزة، والتوترات الجيوسياسية الأوسع في منطقة الشرق الأوسط. وقد تفتقت هذه القدرة عن تبني نهج دبلوماسي عقلاني رصين بدلاً من الانخراط المباشر في نزاعات وحروب عسكرية تستنزف المقدرات الاقتصادية للدولة.
كما عزز الاستقرار السياسي والأمني من قدرة الحكومة على اتخاذ وتنفيذ حزمة من الإجراءات الاقتصادية الهيكلية الصعبة، وفي مقدمتها الخفض المتتالي لقيمة العملة المحلية وسياسات تحرير سعر الصرف (التعويم)، دون السقوط في فخ الاضطرابات الداخلية الواسعة التي قد تهدد استقرار الدولة أو استمرارية مؤسساتها السيادية.
ومن أهم النتائج المباشرة لهذا المناخ المستقر، نجاح مصر في جذب صفقات استثمارية كبرى غير مسبوقة، ولعل أبرزها اتفاقية تطوير مشروع "رأس الحكمة" المبرمة مع شركة "مدن القابضة" ، بقيمة استثمارية بلغت 35 مليار دولار أمريكي، مما جعلها أضخم صفقة استثمار أجنبي مباشر في تاريخ مصر الحديث؛ حيث ساهمت بشكل جوهري في تعزيز مستويات سيولة النقد الأجنبي ودعم أركان الاقتصاد الكلي. وتلا هذه الاتفاقية تدفق العديد من الاستثمارات العقارية والصناعية الضخمة من قِبل شركات إماراتية، وسعودية، وقطرية، وصينية، مما دفع بعجلة النمو في السوق العقاري والقطاع الصناعي التحويلي.
وعلى صعيد قطاع السياحة، انعكس الاستقرار الأمني إيجاباً بشكل حاسم؛ حيث سجلت مصر تدفقاً سياحياً قياسياً بلغ نحو 15.7 مليون سائح وافد في عام 2024، وهو المعدل الأعلى في تاريخ البلاد، في حين تجاوزت الإيرادات السياحية حاجز الـ 14 مليار دولار أمريكي وفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء والبنك المركزي المصري. وقد أدى هذا النمو بدوره إلى قفزة نوعية في حجم الطلب على مشروعات الضيافة، والتطوير السياحي، والمنتجعات العقارية.
أما فيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر ، فقد سجلت التدفقات الوافدة إلى مصر قفزات ملحوظة في السنوات الأخيرة. وسلطت التقارير الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الضوء على التحسن المستمر في مؤشرات بيئة الاستثمار وصعود مستويات ثقة المستثمرين الدوليين في الاقتصاد المصري، مدفوعةً ببرامج الإصلاح الاقتصادي
الجريئة، الطفرة النوعية في البنية التحتية، وتحسن الأوضاع الأمنية على الأرض.
بناءً على ما تقدم، يمكن تصنيف بيئة الاستقرار الأمني والسياسي الحالية في مصر بأنها إيجابية نسبياً ومحفزة لنمو الاستثمارات، لا سيما في القطاعات الاستراتيجية طويلة الأجل مثل العقارات والسياحة.
تتعامل الحكومة المصرية مع صناعة التطوير العقاري والإنشاءات كتوجه استراتيجي وطني وركيزة أساسية من ركائز الاستثمار والنمو في الاقتصاد القومي. وينبع هذا الاهتمام المكثف من الارتباط الهيكلي والتشابك العضوي بين قطاع العقارات وأكثر من صناعة ونشاط اقتصادي مكمل؛ يشمل -على سبيل المثال لا الحصر- صناعات الحديد والصلب، الأسمنت، الدهانات والمواد الكيماوية، الرخام والسيراميك، الأدوات الصحية، الأجهزة الكهربائية، والأثاث والمفروشات المنزلية.
هذا الترابط الوثيق يخلق دورة اقتصادية متكاملة ونشاطاً استهلاكياً واسع النطاق داخل الدولة، حيث يسهم القطاع العقاري في توليد ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
كما ينعكس إيجاباً على مستويات الإنفاق الاستهلاكي والقوة الشرائية العامة، مما يدعم معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي ويساهم بفعالية في كبح معدلات البطالة. وتؤكد بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن قطاع التشييد والبناء يُصنف كأحد أكبر القطاعات الحاضنة والمولدة للعمالة في مصر.
وقد تبلور هذا التوجه الحكومي بشكل ملموس عبر استراتيجية المخطط العمراني الشامل والتوسع في إنشاء مدن جديدة كجزء لا يتجزأ من رؤية مصر التنموية طويلة الأجل. وتضمن ذلك تدشين وتطوير حزمة من مدن الجيل الرابع والمجتمعات العمرانية الحديثة، وفي مقدمتها: العاصمة الإدارية الجديدة، مدينة العلمين الجديدة، ومدينة الجلالة،
بالإضافة إلى امتداد هذه التنمية إلى أقاليم الدلتا والصعيد عبر مدن مثل: المنصورة الجديدة، دمياط الجديدة، أسيوط الجديدة، والمنيا الجديدة. وقد أعلنت وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية عن مستهدفات واضحة لتنفيذ 22 مدينة من مدن الجيل الرابع، إلى جانب عشرات التجمعات العمرانية الأخرى التي تم تأسيسها على مدار العقود الماضية بهدف إعادة صياغة الخريطة الديموغرافية، وتخفيف الكثافات السكانية، وخلق بيئات استثمارية وحضرية متكاملة.
ولم تقتصر آليات الدعم الحكومي على الجانب الإنشائي فحسب، بل امتدت لتشمل تيسير إجراءات تخصيص الأراضي لصالح الشركات العقارية الصغيرة والمتوسطة، وتقديم أنظمة سداد مرنة وتسهيلات تمويلية وإدارية في مختلف المدن الجديدة، مما أسهم في تضاعف أعداد المطورين العقاريين وتوسيع القاعدة الرأسمالية للسوق. بالتوازي مع ذلك، ضخت
الحكومة استثمارات تريليونية لتطوير شبكات البنية التحتية والمرافق الأساسية، بما في ذلك شبكات الطرق القومية، الجسور، محطات المياه والكهرباء، وخطوط النقل والربط الحديثة، والتي لعبت دوراً محورياً في إنجاح التوسع العمراني وضمان التدفق السكاني والاسـتثماري للمدن الجديدة.
علاوة على ذلك، تبنت الدولة استراتيجية طموحة لتحفيز منظومة "تصدير العقار" كقناة مستدامة لتوليد وتدفق النقد الأجنبي، وذلك عبر إدخال تعديلات تشريعية وإدارية تتيح للمستثمرين والأفراد العرب والأجانب التملك الحر والكامل للعقارات السكنية، السياحية، الإدارية، والتجارية في السوق المصري، لا سيما في الوجهات الساحلية والمدن الذكية. ويظهر هذا الفكر الاستثماري بوضوح في المشاريع الكبرى المصممة خصيصاً لاستهداف المشترين الدوليين، مثل مشروع ساوث ميد الذي تطوره مجموعة طلعت مصطفى في منطقة رأس الحكمة بالساحل الشمالي، والذي يستهدف بشكل أساسي استقطاب العملاء من أوروبا، حيث يُشتق اسم المشروع مباشرة من مصطلح "جنوب البحر الأبيض المتوسط"
وقد تكللت هذه السياسات بالنجاح في استقطاب رؤوس أموال أجنبية ضخمة، تمثلت في صفقة تطوير "رأس الحكمة" بالشراكة مع شركة "مدن القابضة" بقيمة 35 مليار دولار كاستثمار مباشر، مع إعلان الحكومة المصرية أن إجمالي التدفقات
الاستثمارية المتوقعة للمشروع قد يتجاوز حاجز الـ 150 مليار دولار أمريكي عبر مراحل التنفيذ المختلفة. ومثّل هذا الإنجاز قوة دفع استراتيجية شجعت على توقيع صفقات وشراكات إضافية مع قامات استثمارية خليجية وعالمية، مثل شركة "إعمار العقارية"، وتوسيع الأنشطة الاستثمارية السعودية والإماراتية والقطرية، مما يعكس عمق الثقة الدولية في متانة القطاع العقاري المصري وقدرته على توليد عوائد استثمارية مجزية ومستدامة على المدى الطويل.
صاحبَ المشهد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في حجم التوترات الجيوسياسية، وتمثل ذلك في حرب غزة، الاضطرابات العسكرية والأمنية في
البحر الأحمر، والتوترات المرتبطة بالملف الإيراني وتصاعد حدة الاحتكاكات في منطقة الخليج العربي. وشكلت هذه الأحداث بؤرة قلق ومخاوف لدى الأوساط الاستثمارية العالمية وملاك رؤوس الأموال، خشية انعكاساتها على استقرار المنطقة، ولا سيما المخاوف التي رافقت اندلاع حرب غزة حول احتمالية انجرار الدولة المصرية إلى صراع عسكري مباشر، بالتزامن مع وجود اضطرابات وتوترات قائمة على الحدود الجنوبية مع السودان والحدود الغربية مع الدولة الليبية.
إلا أن نجاح الإدارة المصرية في إدارة هذه الملفات الشائكة عبر تبني سياسات دبلوماسية رصينة وأدوات تفاوضية حكيمة، وقدرتها على صياغة تفاهمات واتفاقيات استراتيجية (مثل
اتفاقية شرم الشيخ مع الإدارة الأمريكية الرامية لوقف الحرب)، أسهم في إرسال رسائل طمأنة قوية لأصحاب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية. وأثبتت هذه التحركات عقلانية ورشد التوجهات السياسية المصرية وقدرة الدولة على عزل جبهتها الداخلية والحفاظ على مناخ آمن ومستقر للاستثمار والأعمال وسط محيط مضطرب.
ومن زاوية تحليلية أخرى، فإن الاضطرابات الإقليمية المرتبطة ببعض الساحات مثل إيران قد تؤدي -في بعض الأحيان وليس بالضرورة- إلى حدوث هجرة عكسية لبعض الاستثمارات ورؤوس
الأموال وتحولها نحو السوق المصري، وبخاصة الاستثمارات العقارية. ونظراً للطبيعة الهيكلية للاستثمار العقاري كونه استثماراً طويل الأجل يمتد لعقود، فإنه يبحث دوماً عن البيئات الأكثر أمناً واستقراراً واستدامة من الناحية السياسية والقانونية. ومع تركيز الدولة المصرية على فتح آفاق جديدة لجذب الاستثمارات وتفعيل آليات تصدير العقار، باتت مصر تمتلك فرصة استراتيجية سانحة لاستقطاب التمويلاتmوالشركات الباحثة عن ملاذات استثمارية آمنة في المنطقة.